عبد الملك الجويني
46
الشامل في أصول الدين
امتنع ، لقدمه واستحالة عدمه . والذي يوضح الحق في ذلك : أنه لا يتصور العلم بحقيقة الجوهر مع الجهل بتحيزه ، ويتصور العلم بحقيقة ذات القديم قبل العلم بعلمه . فإن قيل : فالجوهر لا يخلو عن كون ، كما لا يخلو عن وصف التحيز . قلنا : هذا غير لازم ، فإن التحيز وصف واحد ، وبينا لزومه ما ثبتت النفس . وليس كذلك الكون ، فإنه ينطلق على أجناس مختلفة ، وليس يتعين فيه وصف ، ولو رد الكلام فيه إلى التعيين . فما من وصف بكون من الأكوان إلا ويجوز تقدير عدمه مع بقاء الجوهر ، والكون يوجد مثله بدلا منه أو يوجد ضده . فاندفع السؤال . وكذلك إن ألزمنا السائل اقتران العلم والألم في حق الحيّ مع انتفاء الآفات ، فسبيل الجواب أنه لا يتعين لمقارنة الألم علم ، حتى لا يجوز تقدير مثله . على أنه يجوز في الجملة تقدير أحدهما دون الثاني في حال ، وإن لم يجز في كل حال . ومما يستدل به المحققون أن قالوا : التحيز لم يدل على ثبوته التغير الذي هو وصف لازم ، ولم يثبت أيضا معلولا بعلة في غير موضع الطلب ، حتى يجب طرد العلة عند تحقق المعلوم ، ولم يعلم التحيز اضطرارا ، وكل وصف لم يقتضيه دليل ولم يعلم اضطرارا ، ولم يعقب نفيه إحالة في العقل ، فلا سبيل إلى إثباته . وهذا كما أن قائلا لو قال : إنما يعلم ، العلم لغرض غير العلم ، والعلم شرط فيه ، فيبطل ما يدعيه بأن نفي العلم وإثباته هو المؤثر . وليس المعنى المدعي من غير ضرورة ودليل أولى من معنى يخالفه . ثم يتسلل القول فيه حتى يخرج عن الضبط . وهذا من أركان أدلة الكلام . وسنستقصيها في كتاب « الصفات » إن شاء اللّه . فصل [ هل للجوهر الفرد شكل ] الجوهر الفرد لا شكل له ، ولكن اختلفت الأصوليون في تشبيهه ببعض الأشكال تقريبا . فقال بعضهم هو أشبه بالمدوّر . وقال آخرون هو أشبه بالمربع . وشبهه آخرون بالمثلث . وأشار القاضي في بعض كتبه إلى اختيار شبهه بالمربع : من حيث ينظم من الجوهر الفردة خط مستطيل ، والمدر لا يتأتى فيه ذلك إلا بخلل وفرج . والذي اختاره في « نقض النقض » ، إبطال هذه الأقاويل جملة ، فإنه إذا ثبت أن الجوهر لا شكل له ، فلا معنى لتشبيهه بذي شكل ، فإن ما يشبه شكلا شكل ، إذ حقيقة المشتبهين